معركة كسر العظم بين “الخطاط ينجا” و”ولد الرشيد ..من يحمل أوراق الحسم؟

0

الداخلة مباشر-عبد الله عبيد

للمرة الثانية على التوالي، يستمر حمدي ولد الرشيد بتوسيع الفجوة بينه مع قبائل جهة الداخلة من خلال الفخ الذي أسقط نفسه بداخله وقد يصعب عليه الخروج منه سالما مهما فعل، وذلك لعلاقته المتصلة مع إثارة النعرات وتشتيت اللحمة بين المكونات المجتمعية، كما جرى إثر الإستقبال الذي خصصه مؤخرا لأفراد من قبيلة أولاد دليم على هامش زيارتهم إلى العيون لأجل حضور حفل زفاف إبنة رئيس مجلس المستشارين، وهو ما تم وصفه بتقويض للمساعي الاحتفالية وراء الحضور وإستغلاله من طرف ولد الرشيد بطريقة تخلو من الفروسية، في تحقيق مآرب شخصية وتحويل المناسبة إلى إطار أخر من الصراع التنافسي وسط حزب الاستقلال مع الخطاط ينجا رئيس جهة الداخلة، وما أصبح يحمله هذا الخلاف السياسي الأول من نوعه من أبعاد عميقة ومن أعراض جانبية لإرهاصات الحكم الذاتي كمقترح مغربي نهائي في سبيل إنهاء نزاع الصحراء المفتعل.

وكما يقول المثل الفرنسي: “لا تطلق النار على سيارات الإسعاف.. عسكرية كانت أم مدنية أم سياسية”، وهنا ربما أن حمدي ولد الرشيد لم يسمع بهذا المثل أو لم يعد يميز بين السيارات والأحداث والمناسبات التي تمر أمامه ليعرف من منها للإسعاف ومن منها للسياسة والأعراف والمناورات الحزبية…، وهذا عبر إطلاقه النار جزافا على  المساعي العزلاء والحميدة للحاضرين بمناسبة الزفاف والزج بهم كأشخاص بسطاء وتوريطهم بصراعاته السياسية بوسط الموجة الإحتفالية في المواجهة مع الخطاط ينجا وبقية منتخبي حزب الاستقلال بواد الذهب، والعمل على تسويقها وتصويرها إعلاميا أنها “تبعية” وكذا إرتماء لقبيلة أولا دليم داخل عباءة حمدي ولد الرشيد، في الوقت الذي كذبت فيه الوقائع على الأرض تماما هذا التصوير الخاطئ للاستقبال من خلال محدادات وأبعاد عديدة بينها على سبيل المثال لا الحصر :

– البعد الأول : هو الغياب الملحوظ لأي من شيوخ قبيلة أولاد دليم وغيرها من القبائل المتمركزة بجهة واد الذهب، كمؤسسة رمزية وتاريخية عن تشكيلة الوفد الذي لم يتعدي 30 شخص ممن إستقبلهم حمدي ولد الرشيد، والذي ويدرك جيدا إعتبارية وثقل هذه المؤسسة القبائلية ودورها المحوري في الدفاع عن وحدة المملكة المغربية وتمتين الروابط بين العرش العلوي والساكنة الصحراوية، وما تحظى به من تقدير وعناية ملوك الدولة المغربية لشيوخ الصحراء، والتي كانت من أبرز سماته الاستقبال التاريخي الذي خصصه الملك الحسن الثاني سنة 1979 بالرباط لوفود قبائل جهة الداخلة واد الذهب بعد الاسترجاع وما تخلله من إشارات وتوكيدات البيعة والولاء للعرش العلوي المجيد كضامن للوحدة الترابية والإستقرار وحقوق وكرامة مختلف القبائل والمكونات الصحراوية على السواء.

– البعد الثاني : هو المقاطعة الكاملة لجميع منتخبي وبرلمانيي ورؤساء المجالس الجماعية بجهة الداخلة المنتمين إلى حزب الإستقلال، باستثناء عضو واحد للاستقبال الذي نظمه حمدي ولد الرشيد، وهو الأمر الذي تأكدت خلاله للمرة الثانية مواصلة منتخبي حزب الميزان، في التشبث بالمبادرة التي أعلنها الخطاط ينجا بضرورة فك الارتباط مع تنسيقية العيون وإنهاء التبعية الحزبية لأي جهة خارج القيادة المركزية للحزب بالرباط، ناهيك عن ترجمة منتخبي الحزب المقاطعين للإحتفالية مدى التمسك الشرعي بطموح الظفر بمقعد داخل اللجنة التنفيذية لأجل الإنابة عن 50 بالمئة من منتخبي جهة وادي الذهب في إسماع صوتهم ونبضهم حول القضايا الوطنية بمقدمتها ملف الصحراء ضمن التصورات والبرامج الترافعية لحزب الإستقلال كأحد أعرق الأحزاب المغربية.

– البعد الثالث : هو الركوب المدوي من طرف حمدي ولد الرشيد على العلاقة التي تجمعه مع برلماني من الداخلة ورئيس جماعة عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ومحاولة إستغلال إستجابة حضورهما البديهي للزفاف و توظيفها في الإحتدام التنافسي مع الخطاط ينجا والمناورات التي يخوضها ولد الرشيد  منذ إنتخابات2021 ومحاولاته المتكررة نسج علاقات عامة وسط أعيان ومنتخبي الداخلة كوسيلة لإصلاح صورته التي تحطمت كثيرا بعد فقدانه ثقة مختلف الفاعلين السياسيين داخل تراب الجهة، إثر تهديده بسحب التزكية من الخطاط ينجا ومنعه الترشح لرئاسة المجلس الجهوي رغم ميثاق الأغلبية الحكومية ورغم تصدره النتائج الانتخابية التي إعتبرت كسابقة من نوعها والأعلى بين جميع الاستحقاقات الوطنية التي عرفتها جهة الداخلة منذ إسترجاعها سنة 1979.

وإنطلاقا من ربط هذه الأبعاد الثلاثة للإستقبال الذي نظمه حمدي ولد الرشيد، لوفد قبيلة أولاد دليم يتضح أنها كانت مناورة يائسة موجهة إلى الخطاط ينجا وأقرب إلى وجبة إستفزاز فاشلة بكل المقاييس..، نظرا لإفتقارها الشرعنة سواء الانتخابية بشأن مقاطعة حزب الاستقلال، أو القبلية بخصوص غياب الشيوخ والوجهاء عن هذه البهرجة والإستعانة في تغطية فشلها الذريع بأداء وصلات موسيقية من طرف فنانين موريتانيين جرى إقحامهم في هذا الحراك التنافسي الذي يخوضه ولد الرشيد ضد الخطاط ينجا، علما أنها مناورة لم تأتي بأي جديد على صعيد الإحتدام السياسي بين القطبين المتصارعين، باستنتاج أن الوجوه الحزبية الحاضرة للاستقبال هي نفسها الوجوه التي منيت بهزائم نكراء خلال تنافسها مع الخطاط ينجا سنة 2021 والتي تمكن من تجاوزها بفارق شاسع للأصوات المعبر عنها من طرف ساكنة إقليمي الداخلة وأوسرد، سواء باللوائح المخصصة للبرلمان أو الجماعات أو الجهة، وهذا رغم كل أدوات ووسائل التأثير المالية والسلطوية التي جرى تسخيرها في مواجهة المنسق الجهوي لحزب الاستقلال بالداخلة.

والمؤكد أنها كانت نتائج إنتخابية أثبتت بشكل واقعي مدى شعبية ووزن الخطاط ينجا كرقم صعب في المعادلة السياسية والحزبية بالجهات الصحراوية، بسبب ما يصفه كثيرون بمقاربته المتميزة في بلورة البرامج الإجتماعية والإقتصادية لصالح الساكنة المحلية والمواطنين، وبسبب أيضا القفزة النوعية التي بصم عليها في التدبير الجهوي والدبلوماسية الموازية والإستباقية في توطيد مغربية الصحراء بالاجتماعات الأممية والدولية وكذا مرافعاته السياسية أمام كل من هورست كوهلر وستيفان ديمستورا، فضلا عن جهود رئيس جهة الداخلة في إشعاع وتسويق الأقاليم الصحراوية كمحور إقتصادي واعد وجسر وبوابة للمغرب نحو عمقه الإفريقي، وغير ذلك من العوامل التي أصبحت تقض مضجع حمدي ولد الرشيد، وتعد المثارة الحقيقية لشعور الغيرة والحسد لديه في عدم تقبل وجود أي قطبية سياسية أخرى قد تتجازوه في رفع الإيقاع أو نجاعة الإشتغال غير المنظومة التي كان يقودها هو شخصيا كما يعتقد بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية.

وهي الأقاليم الصحراوية التي أصبحت تعيش على وقع تحولات سياسية إقتصادية وتنموية كبرى بفضل الاستراتيجية الملكية الرشيدة، والتوجه المغربي الجديد في إطلاق إطار مؤسسي سيجمع أكثر من 20 دولة إفريقية وتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، والإستفادة من التعاون والتواصل الذي سيوفره المغرب عبر جهة الداخلة التي ستكون قطب الرحى في تنزيل هذه الرؤية الواعدة عبر الشراكة المبتكرة بين المغرب والإمارات الموقعة شهر دجنبر الماضي، وهي الشراكة الاستثمارية الضخمة التي يرجح متتبعون ومحللون سياسيون أنها أسالت لعاب الإفتراسية السياسية والإقتصادية التي يشنها حمدي ولد الرشيد، وتقف وراء التنافس مع الخطاط ينجا وبقية منتخبي حزب الإستقلال بجهة الداخلة، حيث ستصبح الأخطاء التي يقترفها ولد الرشيد خطايا، إن لم يتراجع عنها، وسوء التقدير كوارث على المنطقة المحتاجة إلى توحيد الصفوف والتعبئة في مواجهة إنفصاليي البوليساريو وحاضنتهم الجزائر.

ثم إن التضييق الممارس على منتخبي حزب الإستقلال ومحاولات إزاحتهم عن المشهد العمومي من طرف حمدي ولد الرشيد عبر المناورات المتكررة وإستهدافهم كما جرى خلال إستقباله مؤخرا لأفراد من قبيلة أولاد دليم، هو مشهد إعتبره محللون سياسيون بمثابة رقصة “الديك المذبوح” المتظاهر بالوجود ومحاولة إثبات الذات وإثارة الانتباه، فالديك حين يرقص فهو ليس على ذلك الحال من شدة الفرح، بل قد يكون من شدة النزيف والألم والانهزامية خاصة وأن هذا الإستقبال يحيل إلى أن هناك “مأزق” حزبي حقيقي يواجه حمدي ولد الرشيد بخصوص مستقبل مكانته داخل حزب الاستقلال والمتعلق بوهم (تنسيقية الجهات الجنوبية) الذي إنتهى لصالح القوة المستمدة من الإستراتيجية الرسمية لمغرب الجهات.

وهو التوجه الرسمي الذي يتوخى منتخبو جهة الداخلة الاستقلاليين بقيادة الخطاط ينجا على تنزيله ومحاولة كسب رهانات الدولة المغربية في بعدها الجهوي والترابي والمجالي وإنجاحها بخصوص تنمية وإشعاع الصحراء كمنطقة حيوية، أصبحت تقول جميع المؤشرات أنها قطعت نهائيا مع سلبيات “القطبية الأحادية” التي كان يتوهم حمدي ولد الرشيد زعامتها، نحو التأسيس لإيجابيات مرحلة جديدة المتعلقة ب “القطبية الثنائية” باعتبارها الورقة الرابحة للمغرب في مقاربته المعتمدة بالنزاع المفتعل حول الصحراء، وباستحضار أن الانخراط في تنزيل مخطط الحكم الذاتي سيكون جماعي وتشاركي، وأن التنمية المستدامة التي يشرف على تنزيلها جلالة الملك محمد السادس بالأقاليم الجنوبية هي لكافة الساكنة وليست حكرا لقبيلة صحراوية على حساب قبيلة أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.