الداخلة مباشر-مراسلة في هذا المقهى... أسر لي أحد مراهقي هذا الحي ذات يوم بحلمه، قائلا: "هل ترى شرفة منزلنا ٱلعشير ... أحلم أن أزرعها حشيشا... وأنام بين أوراقها لأحلم مرتين... مرة حلم النوم، ومرة حلم "الزطلة " التي ندفع ثمنها بما نجنيه من حضائر البناء ووحدات تجميد السمك... وهي رديئة جدا ولا تستحق كل ذلك المجهود الذي نبذله لأجلها... إذا ذهبت للجنة، وهو مستبعد... سأطلب حقلا شاسعا بلا نهاية من الحشيش... وسأبقى ألف الورق وأدخن إلى ما لا نهاية... لن أغادر حقلي الجميل أبدا، ولا حتى شرفة منزلي... ولو مرت بي أجمل نساء الكون"...!! صمت قليلا قبل أن يسحب علبة السجائر ويسحب من داخلها سيجارة ملفوفة ويعرضها عليا... رفضتها بإبتسامة وشكرته...أود أن أطالبه بالتوقف عن تدخينها، قبل فوات الأوان... لكن معرفتي المسبقة بجوابه حالت دون ذلك... فجوابه سيكون كجواب كل مراهقي هذا الحي حين تفتح معهم نقاشا حول الموضوع... سيبدؤون بشتم البوليس وإتهامه بترويجها وتدخينها... وبعضهم يفعل ذلك فعلا لينتهي إلى بلاد تقتل فيها أحلام الشباب، ويحتاجون إلى إستيلادها من رحم الحشيش!! سيكون حديثي حول مخاطر "الزطلة " الصحية ترفا... وسيقابله جواب سمعته مرات ومرات... "الصدور التي لا تحمل الميداليات، فالمخدرات اولى بها "... أنا أحترم الناس هنا... وأفهم ما معنى أن يعرض عليك أحدهم تقاسم المخدرات... فهو يقدم لك أغلى ما عنده... وإفساد لحظته تلك بأحاديث وقوالب جاهزة، لا تصلح إلا للمؤتمرات في الصالونات الفخمة... هو ضرب من السخافة... لا أحد سيفهم هذا المراهق مثلنا نحن من نأتي من رحم الأحياء الشعبية والقرى المنسية.. لا السياسيون الذين يعبثون بأحلامه... إلى درجة أنه إحتاج الحشيش لإستيلاد أحلام لا يستيطعون الوصول إليها أو المتاجرة بها!! ولا المثقفون الذين ينظرون إلى تلك الأحياء نظرة متعالية... مدعين قدرتهم على فهمها وتفكيكها وإعادة إنتاجها في أعمال مضحكة وسخيفة!! ولا حتى الصحف التي تصب في عقول الناس أفكارا يمينة متطرفة... تدعوا إلى إزالة هذه الأحياء برمتها من الخريطة... وتحويلها إلى الشر المطلق!! في حين أن هذه الأحياء كلها لم ترتكتب ربع الجرائم التي إرتكبها حاكمها طيلة 19 عاما... ولم يسرقوا ربع ما سرقه أقل رجل أعمال في البلاد!! فقط من سيفهم ما يحدث هنا... هم مخرجوا قناة ناشيونال جيوغرافيك... من يفهمون قوانين الغابة في وثائقيات "السفانا"... حيث الأحياء هنا في قتال مستمر مع الدولة وأدواتها مع أنفسهم ومع واقعهم السريالي!!


مواضيع قد تعجبك